قريبًا من سدٍ أموي قديم بوادٍ ذي تضاريس حرجة في شرق الطائف يقبع حجر ناري ضخم من الغرانيب، حجر لا يختلف عمَّا يحيط به من حجارة ذلك الوادي الضيق إلا بميزة واحدة جعلته محط أنظار الباحثين والعلماء، وهي أنه يحمل نقشًا يعتقد بعض الدارسين أنه أقدم كتابة وجدت حتى الآن على أثر عمراني في العصر الإسلامي، كما أن لنقشه أهمية خاصة بالنسبة لدارسي تطور الخط العربي كما سيرد في هذا التقرير لاحقًا، وقد أخضع الدكتور سامي خماس الصقار هذا النقش للبحث العلمي في بحث كتبه عن السد عنوانه (سد معاوية في الطائف: دراسة وتعليق) نُشر في مجلة (الدارة) في عددها الثاني لسنة 1406هـ.

اكتشاف السد

يسمى السد المجاور الذي يبعد عن الطائف ستة أميال بـ (سد العباد) كما يسمى باسم (سد سيسد)، ويسميه بعض الباحثين حديثًا بـ (سد معاوية)، ويرى الصقار في بحثه أن السياسي والأديب المصري محمد حسين هيكل هو أول من وقف على هذا السد وكتب عنه في كتابه (منزل الوحي) حيث زار موقعه شخصيًا بعد أدائه لفريضة الحج في عام 1936م، ورأى كتابة النقش بنفسه، وذكر في الكتاب أن عبدالله باشا با ناجه (أحد وجهاء المنطقة) قد صوَّر تلك الكتابة في أوائل القرن العشرين، وبعث بها إلى مصر لحل رموزها، وقد أعجب هيكل بهذا السد، وقال -على سبيل الفخر-: إن العرب قد عرفوا المباني الضخمة، كما عرفها قدماء المصريين، كما زاره المهندس الأمريكي (توبتشل) في وأعد تقريرًا ضافيًا عن السدود القديمة في الطائف وذلك في عام 1945م، وأشار إلى إنه وجد السد في حالة ممتازة، وأبدى إعجابه بمهندسه قائلًا: من حق مهندسه البارع علينا، وهو الذي شيد السد قبل 1266سنه، أن نسدي إليه واجبات الشكر والتحية، كما ذكر أنه لم يستعمل في بنائه لا الملاط ولا الطين.

 

الكتابة المنقوشة

يقع النقش في ستة سطور مكتوبة بالخط الكوفي المنقوط، وتبلغ مساحته 17x130 سم، وطول حرف الألف فيه (10) سم، وهذا نصه حسب قراءة سانت جون فيلبي، وهو مرتب حسب الأسطر:

  1. هذا السد لعبدالله معوية
  2. أمير المؤمنين بنيه عبدالله بن صخر
  3. باذن الله لسنة ثمن وخمسين ا
  4. للهم اغفر لعبدالله معوية ا
  5. مير المومنين وثبته وانصره ومتع ا
  6. لمومنين به كتب عمرو بن حباب

الكتابة تشير إلى أن السد مبني في عهد أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- حيث يشير السطر الأول لاسمه صراحة، كما يشير السطر الثالث إلى سنة بنائه (58 للهجرة) وهي سنة تقع في عهد خلافته الممتدة حتى عام 60هـ.

الباني والكاتب

أما باني السد المذكور في السطر الثاني فقد اختلف فيه الباحثون، فمنهم من يرى أنه عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بسبب قراءة خاطئة لكتابة النقش، كما أن هناك قراءة سقيمة أخرى للسطر الثاني ذكرت أن اسم الباني (عبدالله بن إبراهيم)، ومنهم من توهم بأن الكتابة هي (عبدالله بن خالد) وأنه والي معاوية على مكة في سنة 44هـ، أما اسم (عبدالله بن صخر) الوارد في القراءة الأكثر موثوقية للنقش فلا تسعفنا المصادر التاريخية عن شخصية بهذا الاسم، وقد حاول الدكتور الصقار العثور على شخص بهذا الاسم في المصادر التي غطت تلك الفترة الزمنية فلم يعثر له على ذكر، مما جعله يخلص إلى تفسيرين الأول أن الباني هو معاوية نفسه حيث أن اسم أبيه هو (صخر) وكتب قبله عبدالله من باب التواضع، والتفسير الثاني أن الباني مهندسٌ أو بنَّاءٌ مجهول الهوية.

ويشير البحث إلى اختلاف في قراءة اسم كاتب النقش الوارد في السطر السادس على هذه الأسماء (عمرو بن حباب، وعمرو بن حيان، وعمرو بن خباب أو جناب)، كما اقترح أحدهم (عمير بن الحباب السلمي) وهذا غير منطقي لأن الرجل كان في عام 59هـ في مهمة حربية في أرمينيا بعيدًا عن الطائف، ويعتقد الباحث أن الكاتب مجرد شخص غير معروف يحسن النقش على الحجر.

أهمية الحجر

باستعراض البحث يتبين للمهتم أن للنقش أهمية خاصة فهو كما ذُكر سابقًا فإن بعض الدارسين عدَّه أقدم كتابة وجدت حتى الآن على أثر عمراني في العصر الإسلامي، كما يؤكد الباحث على أهميته الخاصة بالنسبة لدارسي تطور الخط العربي؛ إذ يعتبر أقدم نص عربي منقوط، وأن دراسته تلقي بعض الضوء على تاريخ الخط العربي، ولا سيما فيما يتعلق بإعجام الحروف، لأن كتب التاريخ تحدد لإدخال الإعجام تاريخًا متأخرًا بعض الشيء عن خلافة معاوية، فالمعروف المتداول هو أن الحجاج بن يوسف الثقفي المتوفى سنة 95هـ هو الذي أمر -أثناء ولايته للكوفة- بتنقيط المصحف عندما فشا التصحيف بين الناس، ولذا فإن وجود كتابة منقوطة تعود للعام 58هـ يعتبر أمرًا بالغ الأهمية يستوجب من الدارسين أخذه بنظر الاعتبار، كما يقدم النقش قيمة إضافية باعتباره مصدرًا تاريخيًا حيث أن المصادر التاريخية بين أيدينا لا تشير إلى قيام الخليفة معاوية ببناء سد في الطائف فيما يزودنا هذا النقش بهذه المعلومة التي لم تكن لتتوفر لولا بقاء هذا النقش إلى الآن.